قِيمةُ العملِ وحُقُوقُ الْعُمَّالِ فِي الإِسْلاَمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، أَمَرَ عبادَهُ بالسعْيِ فِي الأرضِ طلبًا للرزقِ، قالَ تعالَى :] هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ [([1]) وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، يُثيبُ الْمُجدِّينَ العاملينَ المخلصينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، القائلُ r: "إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ"([2]). فاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سيدِنَا مُحمدٍ وَعَلَى آلِهِ وأصحابِهِ والتابعينَ لَهمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أمَّا بعدُ: فأُوصيكُمْ عبادَ اللهِ ونفسِي بتقوَى اللهِ العظيمِ، قالَ سبحانه وتعالَى :] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [([3])
أيهَا المسلمونَ: إنَّ اللهَ تعالَى خلقَ الإنسانَ لحكمةٍ ، وكلَّفَهُ بالعملِ ليعمرَ الدنيَا وينتفعَ بِهَا ، ويَملأَ جنباتِهَا بالجدِّ والاجتهادِ ، وهوَ معَ ذلكَ لاَ ينسَى أنَّ أمامَهُ آخرةً تنتظرُهُ لينالَ فيهَا جزاءَهُ وحسابَهُ قالَ اللهُ سبحانَهُ وتعالَى :] فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ [([4]) وقالَ عزَّ وجلَّ: ] وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى[([5]) ولاَ ينالُ الإنسانُ حظَّهُ فِي الحياةِ بغيرِ كدٍّ وسعْيٍ، فهذَا سيدُنَا عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : لاَ يقعدْ أحدُكُمْ عنْ طلبِ الرزقِ ، يقولُ : اللهمَّ ارزقنِي . فقَدْ علمْتُمْ أنَّ السَّمَاءَ لاَ تُمطرُ ذهبًا ولاَ فضةً([6]) .
أيهَا المؤمنونَ : إنَّ نظرةَ الإسلامِ للعملِ نظرةُ إجلالٍ وتكريمٍ، فهوَ يوفِّرُ حاجاتِ الإنسانِ المختلفةَ ومطالبَهُ الماديةَ ، ويُحقِّقُ لَهُ الاستقرارَ الاجتماعيَّ، وَيساعدُ فِي البناءِ والتطورِ والتقدمِ الحضاريِّ، لذلكَ اهتمَّ الإسلامُ بالعملِ اهتمامًا بالغًا ، وجعلَهُ مِنَ الواجباتِ، ورتَّبَ عليهِ الأجرَ العظيمَ والثوابَ العميمَ ، فعَنْ كَعْبِ ابْنِ عُجْرَةَ قَالَ : مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ r رَجُلٌ ، فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ r مِنْ جَلَدِهِ ونَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ r : "إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ"([7]).
أيهَا المسلمونَ : وحتَّى يؤدِّيَ العملُ دورَهُ فِي مسيرةِ البناءِ والتطويرِ وتحقيقِ الرخاءِ والسعادةِ فِي المجتمعاتِ أوجبَ الإسلامُ حقوقًا مشتركةً بينَ العمالِ وأربابِ العملِ ، أمرَهُمْ برعايتِهَا والحرصِ عليهَا، فمِنْ حقِّ العاملِ علَى صاحبِ العملِ أنْ يؤدِّيَ لَهُ أجرَهُ مِنْ غيرِ تأخيرٍ أوْ مُماطلةٍ ، قالَ رَسُولُ اللهِ r: "أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ"([8])
ومِنْ حقِّ العاملِ عدمُ انتقاصِ أجرِهِ المتفقِ عليهِ ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ^ عَنِ النَّبِىِّ r قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ"([9]) .
ومِنْ حقوقِ العاملِ احترامُهُ وعدمُ الإساءةِ إليهِ ، فكرامةُ العاملِ قَدْ صانَهَا الإسلامُ وأمرَ بالرفقِ بهِ والإحسانِ إليهِ والتخفيفِ عنهُ ، وإنْ كُلِّفَ بعملٍ فوقَ طاقتِهِ يُعانُ عليهِ ، قالَ رَسُولُ اللهِ r : "مَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ"([10]). وعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ r قال: "مَا خَفَّفْتَ عَنْ خَادِمِكَ مِنْ عَمَلِهِ كَانَ لَكَ أَجْرًا فِي مَوَازِينِكَ "([11]).
ومِنْ حقوقِ صاحبِ العملِ علَى العاملِ أنْ يُتقِنَ عملَهُ، وأَنْ يُراقبَ اللهَ تعالَى فِي عملِهِ ويُخْلِصَ فيهِ ، قالَ رَسُولُ اللهِ r : "إنَّ اللهَ يُحِبُّ إذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ"([12]). فلاَ يَجوزُ للعاملِ أنْ يغشَّ صاحبَ العملِ، قالَ رَسُولُ اللهِ r:"مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"([13]).
فلنراقِبِ اللهَ عزَّ وجلَّ، وليعرفْ كلٌّ منَّا واجباتِهِ فيؤديهَا حتَّى نفوزَ برضَا اللهِ تعالَى فِي الدنيَا والآخرةِ .
اللهمَّ وفقنَا للعملِ بِمَا يُرضيكَ عنَّا ، وأكرِمْنَا بطاعتِكَ وطاعةِ مَنْ أمرتَنَا بطاعتِهِ ، إنكَ نعمَ المولَى ونعمَ النصيرُ .
أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُمْ فاستغفرُوهُ.
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سيدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبارِكْ علَى سيِّدِنَا محمدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.
أمَّا بعدُ: فاتقُوا اللهَ عبادَ اللهِ واعلمُوا أنَّ العملَ فيهِ عمارةٌ للحياةِ ونفعٌ للإنسانِ ، وإظهارٌ لنعمِ اللهِ تعالَى ، ونشرٌ للخيرِ والفضيلةِ ، لذلكَ أكَّدَ عليهِ الإسلامُ ، قالَ رَسُولُ اللهِ r: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"([14]).
وقدْ حذَّرَنَا رَسُولُ اللهِ rمِنَ العجزِ والكسلِ، وعلَّمَنَا أنْ نتعوَّذَ منْهُ فقالَ r :"اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ"([15]).
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه ، قَالَ
تَعَالَى:]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[([16]) ويَقُولُ الرسولُ r : "مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً"([17]) اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، وَوَفِّقْنَا جَمِيعًا لِلسَّيْرِ عَلَى مَا يُحَقِّقُ الْخَيْرَ وَالرِّفْعَةَ لِهَذِهِ الْبِلاَدِ وَأَهْلِهَا أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ.
اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.
([2]) صحيح ، رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه .
([7]) المعجم الكبير للطبراني 19/129 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 4/325 رجال الكبير رجال الصحيح .
([8]) رواه ابن ماجه بإسناد جيد كما في كشف الخفا، وذكره البغوي في المصابيح في قسم الحسان .
([11]) صحيح ابن حبان 10/153، وأبو يعلى 2/171، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/329) : رواه أبو يعلى، وعمرو هذا قال ابن مَعِين: لم ير النبي r فإن كان كذلك فالحديث مرسل ، ورجاله رجال الصحيح.
([12]) البيهقي في شعب الإيمان 11/298.


