الأخلاق
الحمدُ للهِ الذِي جعلَ الأخلاقَ مِنَ الدِّينِ، وأَعْلَى بِهَا شأْنَ المؤمنينَ، وأَشهدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، الْمَلِكُ الحقُّ المبينُ، وأَشهدُ أنَّ سيِّدَنَا محمداً عَبدُ اللهِ ورسولُهُ الصادقُ الوعدِ الأمينُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِ بيتِهِ الطيبينَ الطاهرينَ، وعلَى أصحابِهِ الغُرِّ الميامينِ، وعلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بإحسانٍ إلَى يومِ الدِّينِ.
عبادَ اللهِ: أُوصيكُمْ ونفسِي بتقوَى اللهِ جلَّ وعلاَ، قالَ سبحانَهُ وتعالَى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[([1])
أمَّا بعدُ: فيَا أَيُّهَا المؤمنونَ: جعلَ اللهُ أثقلَ شيءٍ فِي ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ حُسْنَ الخلقِ، وجعلَ أقربَ الناسِ فِي الجنةِ مجلسًا مِنْ رسولِ اللهِ r أحاسِنَهُمْ أخلاقًا، قَالَ r:« إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقاً»([2]).
إنَّ المجتمعَ المثالِيَّ الحضارِيَّ هوَ الذِي يتمثلُ أفرادُهُ الأخلاقَ الحسنةَ فِي كلِّ سلوكياتِهِمْ، فبالأخلاقِ ينتشرُ الأمنُ والأمانُ، ويعُمُّ الرخاءُ والاستقرارُ والوئامُ، وتَهنأُ الأُسرُ والبلادُ، ويسعدُ العبادُ، وقَدْ قيلَ: ذَهَبَ حُسْنُ الْخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَخَيْرِ الآخِرَةِ.
وإذَا كانَتِ الأخلاقُ بِهذهِ الأهميةِ فكيفَ السبيلُ إلَى اكتسابِهَا ؟ يَا عبادَ اللهِ الأخلاقُ نوعانِ : فمِنْهَا فِطرِيٌّ جُبِلَ الإنسانُ عليهِ، ومنْهَا مُكتَسَبٌ يسعَى الإنسانُ للتخَلُّقِ بهِ، فمَا كانَ مِنْ جُودِ اللهِ عليكَ فاحمَدِ اللهَ عليهِ، وأمَّا النوعُ الثانِي فيُمكنُ اكتسابُهُ بِحملِ النفْسِ علَى التخلُّقِ بهِ حتَّى يصيرَ لَها طَبْعًا وسجيةً، وبِمُصاحبةِ رفقاءِ الخيرِ وأهلِ الأخلاقِ، وبِمُطالعةِ أخبارِ السابقينَ وسيرِهِمْ.
أيهَا المسلمونَ : إنَّ الأخلاقَ ممارساتٌ وعباداتٌ حثَّ عليهَا دينُنَا الحنيفُ، فالمسلمُ مُطالَبٌ بالتزامِهِ بالأخلاقِ الحسنةِ، ويبدأُ هذَا الالتزامُ قبلَ تكوينِ الأُسرَةِ، حيثُ يجبُ علَى الرجُلِ أَنْ يُحسِنَ اختيارَ زوجتِهِ لقولِ النَّبِىِّ r:« تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»([3])
وقَدْ أثبتَ العلمُ الحديثُ أنَّ الجنينَ يتأثرُ بأخلاقِ أُمِّهِ وهوَ فِي بطنِهَا، وتستمِرُّ العنايةُ بالولدِ مِنْ لحظةِ ولادتِهِ حيثُ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ r الأذانَ فِي أُذُنِهِ ، وهوَ صورةٌ عمليةٌ لطرْدِ الشيطانِ، حتَّى إذَا صارَ الطفلُ مُمَيِّزًا أمرَ الإسلامُ بتوجيهِهِ إلَى الأخلاقِ الحسنةِ، فعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ فِى حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ r وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي:« يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»([4]).
وأمرَ بتعليمِهِ مبادئَ الدِّينِ حيثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ r :« مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ »([5]).
وهنَا يظهرُ دوْرُ الأبوينِ فِي توجيهِ أولادِهِمْ إلَى الأخلاقِ الفاضلةِ، فالبيتُ هُوَ أهَمُّ مصادرِ اكتسابِ الأخلاقِ مِنْ خلالِ القدوةِ والتوجيهِ والمتابعةِ، وعلَى كلاَ الزوجينِ أَنْ يلتزِمَ بواجباتِهِ الأخلاقيةِ تجاهَ الآخرِ، فإنَّ هذَا مِمَّا يُعينُ علَى استقرارِ الأُسرةِ وتَماسُكِهَا، ويلِي البيتَ فِي أهميةِ اكتسابِ الأخلاقِ: المدارسُ ودُورُ التعليمِ، فالْمُعلمُ قدوةٌ لطلابِهِ، يستمعونَ لِنُصحِهِ وتوجيهِهِ ويحاكونَ أفعالَهُ، ويتأثرونَ بأخلاقِهِ، قالَ هارونُ الرشيدُ لِمُؤَدِّبِ ولدِهِ: أَقْرِئْهُ القرآنَ وعرِّفْهُ الأخبارَ ورَوِّهِ الأشعارَ، وعلِّمْهُ السُّنَنَ وبَصِّرْهُ بِمَواقعِ الكلامِ وبَدْئِهِ، وامنَعْهُ مِنَ الضحكِ إلاَّ فِي أوقاتِهِ، ولاَ تَمُرَّنَّ بِكَ ساعةٌ إلاَّ وأنتَ مُغتنِمٌ فائدةً تُفيدُهُ إياهَا.
عبادَ اللهِ: ويتعاظَمُ دورُ الإعلامِ فِي التوجيهِ الأخلاقِيِّ مِنْ خلالِ مَا يبثُّهُ عبْرَ وسائلِهِ بِمَا يحملُ الناسَ علَى حُسنِ الخلقِ، وعلَى الآباءِ والأمهاتِ أَنْ يتخيرُوا لأولادِهِمْ مَا يشاهدونَهُ أَوْ يسمعونَهُ لتهذيبِ أخلاقِهِمْ وتزكيةِ نُفوسِهِمْ.
إنَّ المسؤوليةَ الأخلاقيةَ لاَ تقِفُ عندَ مَا ذكرْنَا بَلْ تَمتدُّ لِتشملَ كلَّ سلوكٍ فِي المجتمعِ، فالتزامُكَ بالقوانينِ والأنظمةِ التِي شُرِعَتْ للحفاظِ علَى مصالِحِ الناسِ وأرواحِهِمْ وحقوقِهِمْ سُمُوٌّ أخلاقِيٌّ، ومراعاةُ أحوالِ الناسِ ومشاعرِهِمْ رُقِيٌّ حضارِيٌّ.
نَسألُ اللهَ تعالَى أَنْ يرزقَنَا أَخلاقًا طيبةً تكونُ سببًا لِمحبَّتِهِ ومحبةِ خلْقِهِ لنَا وأَنْ يُوَفِّقَنَا لطاعتِه وطاعةِ مَنْ أمرنَا بطاعتِهِ, عملاً بقولِهِ تعالَى:] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ[([6])
نفعَنِي اللهُ وإياكُمْ بالقرآنِ العظيمِ وبِسنةِ نبيهِ الكريمِ r
أقولُ قولِي هذَا وأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي ولكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانيةُ
الحَمْدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَه، وأَشْهَدُ أنَّ سيِّدَنا محمَّداً عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ علَى سيدِنَا محمدٍ وعلَى آلِهِ الطيبينَ الطاهرينَ وعلَى أصحابِهِ أجمعينَ، والتَّابعينَ لَهُمْ بإحسانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أيُّها المؤمنونَ: علَى كُلِّ صاحبِ مهنةٍ مراعاةُ آدابِ وأخلاقِ عملِهِ ومهنتِهِ والتحلِّي بالخلقِ الحسنِ ومراعاةُ مَا عليهِ مِنْ واجباتٍ تجاهَ عملِهِ، فالموظفُ والمعلمُ والطبيبُ والمهندسُ والتاجرُ وأهلُ الْحِرَفِ وغيرُهُمْ مطالَبُونَ بالالتزامِ بالأخلاقِ الحسنةِ ومراعاةِ أخلاقِ المهنةِ.
وتتأكَّدُ أهميةُ الأخلاقِ فِي سُلوكِ بعضِ الشبابِ، فعليهِمْ أَنْ يتمسكُوا بالأخلاقِ الفاضلةِ والقِيَمِ، ويلتزمُوا بصفاتِ الرجولةِ وأَنْ ينأَوْا بأنفسِهِمْ عَنِ التشبُّهِ بالنساءِ، فإنَّ هذَا يتنافَى معَ أخلاقِ الإسلامِ وكمالِ الرجولةِ، وعلَى الفتياتِ أَنْ يلتزمْنَ بالأخلاقِ الحسنةِ مِنَ الحشمةِ وعدمِ التشبُّهِ بالرجالِ، فخيرُ خُلقٍ لَهنَّ العفةُ والحياءُ.


