الْفَتْوَى
قالَ تعالَى:{ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} قالَ r : "أَلاَّ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا ، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ"([1])
أيهَا المسلمونَ: إنَّ مَوْضُوعَ الفتوى عظيمُ القَدْرِ، فهوَ منصبٌ شريفٌ ومقامٌ عالٍ؛ يتولَّى صاحبُهُ تعليمَ الناسِ أحكامَ دينهِمْ، وتوضيحَ طريقِ الشرعِ لَهُمْ، فَهوَ بَيَانُ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَطْبِيقُهَا عَلَى أَفْعَال النَّاسِ، وقَوْلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ يَقُول لِلْمُسْتَفْتِي: حُقَّ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَل، أَوْ حَرَامٌ عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ ، وَلِذَا شَبَّهَ بعضُ العلماءِ الْمُفْتِيَ بِالتُّرْجُمَانِ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى، والموقعِ عنه عزَّ وجلَّ .
وَقَدْ تَوَلَّى النَّبِيُّ r هَذَا الْمَنْصِبَ فِي حَيَاتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مُقْتَضَى رِسَالَتِهِ، وَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَال :] وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [([2])
والمفتِي يقومُ مقامَ النبيِّ r فِي وراثتِهِ لعلمِ الشريعةِ وتبليغِهِ للناسِ([3]) قالَ r: "إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ"([4]).
عبادَ اللهِ : موضوعُ الفتوَى دقيقٌ جدًّا، ولاَ يجوزُ لأيِّ إنسانٍ أنْ يُفتِيَ، بلْ لاَ بدَّ مِنْ وجودِ الأهليةِ والتخصصِ والتثبتِ فِي الفتوَى، فقدْ قالَ النَّبِيُّ r: "أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ"([5]) وَقالَ سُفْيَانُ : أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا([6]). فَالَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ مُتَهَيِّبًا لِلإِفْتَاءِ ، لاَ يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إِلاَّ حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ جَلِيًّا فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، أَوْ يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا تَعَارَضَتْ فِيهِ الأَْقْوَال وَالْوُجُوهُ وَخَفِيَ حُكْمُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَيَتَرَيَّثَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ وَجْهُ الْجَوَابِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَوَقَّفَ .
وقدْ كانَ الصحابةُ الكرامُ -رضوانُ اللهِ عليهِمْ- إذَا سُئلَ أحدُهُمْ أحالَ السائلَ إلَى أخيهِ، ووَدَّ أنْ يكفيَهُ الإجابةَ، فعنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِى لَيْلَى قالَ : لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِى هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأَنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ
الْحَدِيثَ ، وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلاَّ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا([7]).
وكانَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُمَا يقولُ : تريدونَ أنْ تجعلونَا جسرًا تعبرونَ علينَا إلَى جهنمَ .
وكانَ الإمامُ مالكُ بنُ أنسٍ رحمهُ اللهُ إمامُ دارِ الهجرةِ الذِي قيلَ عنهُ: لاَ يُفْتَى وَمَالِكٌ بِالْمَدِينَةِ . كَانَ يَقُولُ : مَنْ أَجَابَ فَيَنْبَغِي قَبْل الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، وَكَيْفَ خَلاَصُهُ فِي الآخِرَةِ ، ثُمَّ يُجِيبَ فِيهَا([8]) وَهذا ما يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَفعلَهُ وَيُعَوِّدَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ.
أيهَا المسلمونَ: إنْ كانَ هذَا هوَ حالُ الصحابةِ الكرامِ والعلماءِ الأجلاءِ فعمومُ الناسِ أولَى بالتوقفِ عَنِ الإفتاءِ وإصدارِ الأحكامِ الشرعيةِ بغيرِ علمٍ ولا هدًى، فلاَ يجوزُ أنْ يتصدرَ للإفتاءِ مَنْ هوَ ليسَ بأهلٍ لهَا
نسألُ اللهَ تعالَى أنْ يرزقَنَا العلمَ النافعَ والعملَ الصالحَ، وأن يُبَلِّغَ بنَا دينَهُ، وأنْ يعلمَنَا مرادَهُ مِنْ كتابِهِ، ويحققَ بنَا مرادَهُ مِنْ خلقِهِ .
أقولُ قولِي هذَا وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُمْ فاستغفرُوهُ .


