اليسر في الإسلام
أولاً/ أصول اليسر في القرآن الكريم :
1- قال تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [1] .
تبين هذه الآية أن الله تعالى أراد بتشريعه الأحكام : اليسر والتخفيف والرحمة ونفي الحرج ، ونحو ذلك ، والآية وإن كانت واردة في شأن الرخص في الصيام إلا أن المراد منها العموم كما صرح بذلك غير واحد من المفسرين.
2- قال تعالى : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [2].
هذا تذكير بأن الله يوالي رفقه بهذه الأمة ، وإرادته بها اليسر دون العسر. والضعف المشار إليه هو ضعف الإنسان أمام الشهوة الجنسية ؛ لأن الآية تتحدث عن ترخيص الله تعالى بنكاح الإماء المؤمنات لمن عجز عن زواج الحرائر.
3- قال تعالى : ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ [3].
بيان أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف النفس إلا في حدود قدرتها الميسرة دون بلوغ غاية الطاقة .
ثانياً/ أصول اليسر في السنة النبوية :
لقد وصف الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله : ﴿ لقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [4] ، ولقد كان الوحي وهو ينزل يأخذ النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه بمنهج اليسر، ويقوّم معوجّ المسلمين في هذا الجانب ، ويسددهم حين يكون الانحراف. وسلك الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المنهج الذي أراده الله لهذه الأمة ؛ فقام على تحقيقه في نفسه وفي الآخرين ، فكانت السنة النبوية حافلة بمواضع عديدة تدل على اليسر ، وهي على ثلاثة أنواع :
1- أحاديث يستفاد منها سماحة هذا الدين ويسره:
أ) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه" [5].
ب) عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما [6].
ج) عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا ولكن بعثني معلما ميسرا " [7].
2- أحاديث تفيد في جملتها خشية النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون قد شق على أمته :
أ) جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إني لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز كراهية أن أشق على أمه " [8].
ب) عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وهو قرير العين طيب النفس ، ثم رجع إليها وهو حزين ، فقال: " إني دخلت الكعبة وودت أني لم أكن فعلت ؛ إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي " [9].
3- أحاديث يأمر أصحابه فيها بالتخفيف ، وينكر عليهم فيها التشديد والغلو :
أ) قوله صلى الله عليه وسلم : " يسروا ولا تعسروا ، وبشروا ولا تنفروا " [10].
ب) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هلك المتنطعون " ثلاثاً . [11].
ضوابط اليسر في الإسلام
إذا تقرر ما مضى من بناء الشريعة في أصولها وأهدافها على اليسر ، فإن هذا اليسر له ضوابط تنظمه وتضبطه ، ولعل هذه الضوابط تتلخص في العناصر التالية :
1- أن يكون التيسير ثابتاً بالكتاب أو السنة:
2- عدم مجاوزة النص في الأخذ بالتيسير :
3- أن لا يعارض التيسير نصّاً من الكتاب أو السنّة :
4- أن يكون التيسير مقيّداً بمقاصد الشريعة :
"يواجه سكان الدول الأوربية في أيام الصيف مشكلة تأخر وقت صلاة العشاء وتقدم وقت صلاة الفجر، فيدخل وقت صلاة العشاء الساعة الحادية عشرة، ويزداد أحيانا إلى الثانية عشرة، وأحيانا أخري لا يتميز وقت العشاء ويدخل وقت صلاة الفجر الثالثة والنصف وربما تقدم أحياناً، فيواجه المسلمون حرجاً كبيراً، لا سيما أوقات الدوام والدراسة، مما حدا بالبعض إلى النوم قبل صلاة العشاء، وترك الصلاة لعدم قدرته على المواصلة، فهل يحق لمن هذا حاله الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء لوجود المشقة عليه؟
كما تقرر شرعا أن المشقة تجلب التيسير، وتوجب رفع الحرج والتيسير، فكل ما كان جالبا للمشقة، داعيا للوقوع في الحرج، فإنه يجلب تيسيرا في الحكم، ويوجب رفع الحرج، قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } الحج- 78، وقال تعالى: { يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ }البقرة-185.
ومن جملة ما يقرر تلك القاعدة الشرعية العظيمة، وفي هذا الباب خاصة، ما جاء في صحيح مسلم(1151) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ.قال وكيع: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرَادَ أَنْ لَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ. وفي لفظ له: "في غير خوف ولا سفر" فالحديث دليل على أن مناط الجمع ليس الخوف أو السفر أو المطر فحسب، بل كل ما يوقع المسلم في الحرج والمشقة فإنه يسوِّغ له الجمع بين الصلاتين؛ فمتى عرض للإنسان ما يجعل أداء الصلاة في وقتها عليه شاقا، فإنه يجوز له حينئذ الجمع شريطة ألا يتخذ عادة، ولا يضره طول الوقت، فإن الرخصة يستمر العمل بها ما دام موجِبُها قائما.
ورد في قرارات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث 24/4/1426هـ: "انتهى المجلس إلى جواز الجمع بين هاتين الصلاتين-المغرب والعشاء- في أوروبا في فترة الصيف حين يتأخر وقت العشاء إلى منتصف الليل، أو تنعدم علامته كليًا، دفعًا للحرج المرفوع عن الأمة بنص القرآن، ولما ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح مسلم
وكذلك الفتوي الصادرة من فضيلة الشيخ – عيد الله الجديع – عضو المجلس الاوروبي للفتوي والبحوث


