التحذير من الزنا - 02.07.10

E-mail Print PDF
Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4

التحذير من الزنا

إخوة الإسلام:إن دين الإسلام جاء شاملاً لمجامع الخيرات كلِّها، ومتضمنًا لمعاني الفضيلة جميعها، أمر بمعالي الأمور وكريمها، وحذّر من سفاسفها وحطيطها، جاء بكلّ ما يجمّل العبد ويزيّنه، وما يبعده عما يشينه ويدنّسه، قال : ((إن الله كريم يحب الكرماء، يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها)) [رواه الطبراني ورجاله ثقات][1].

لذا فمن أعظم مقاصد الإسلام، وأكثر أهدافه وأغراضه إقامة العفاف والنزاهة والطهارة في النفوس، وغرس الفضائل والمحاسن في المجتمعات، والبعد عن الرذائل والقبائح والموبقات، ومن هنا حرص الإسلام على أن ينأى الناس عن الشهوات الحيوانية، والأخلاق الشيطانية، قال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ [النور: 33]، وقال سبحانه: وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ [النور: 60].

في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة أبي سفيان مع قيصر، قال أبو سفيان رضي الله عنه: (ويأمرنا ـ أي النبي ـ أن نعبد الله وحده لا شريك له، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدقة والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة) [2].

فحفظ الفروج عن الفواحش مما تزكو به النفوس، وتسلم به المجتمعات، ويحفظ به الأمن، وتصان به الأعراض، قال تعالى: قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ [النور: 30، 31].

ولقد امتدح الله جل وعلا الحافظين فروجهم والحافظات، وجعل ذلك من سمات الفلاح، وعلامات الفوز والنجاح قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـوٰةِ فَـٰعِلُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ [المؤمنون: 1ـ 7].

جاء عن النبي في صحيح البخاري أنه قال: ((من يضمن لي ما بين رجليه وما بين لحييه أضمن له الجنة)) [4].

وفي المسند بسند صحيح أنه قال: ((إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت)) [5] .

معاشر المؤمنين:

وأعظم ما يهدم سياجَ هذا الحفظ، وأبشع ما يهدم صورَ هذا المبدأ العظيم جريمة الزنا، لذا فهو من أكبر الفواحش وأعظم الموبقات، قال ابن القيم رحمه الله: "وَسَمَ الله سبحانه الشرك والزنا واللواطة بالنجاسة والخبث في كتابه دون سائر الذنوب ـ إلى أن قال: ـ فليس في الذنوب أفسد للقلب والدين من هاتين الفاحشتين: الزنا واللواط، ولهما خاصية في إبعاد القلب عن الله جل وعلا، فإذا انصبغ القلب بهما بَعُد من الله الطيب الذي لا يصعد إليه إلا الطيب" [انتهى] [6].

وقد حذر الله جل وعلا من الزنا مبينًا وصفه المتناهي في القبح، وعاقبته المهلكة الموبقة، فقال جل وعلا: وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَاء ذٰلِكَ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ [المعارج: 29 ـ 31]، وقال جل وعلا: وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَن تَابَ وَءامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَـٰلِحاً [الفرقان: 68ـ70]، ويقول سبحانه: وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً [الإسراء: 32].

أيها المسلمون:

الزنا مضاد لصفات المؤمنين، ومنافر لمسالك الأبرار والمتقين، قال جل وعلا: ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ [النور:3].

في الصحيحين عن النبي أنه قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) [7].

وعند أبي داود وغيره: ((إذا زنى العبد خرج منه الإيمان كالظلة على رأسه، فإذا انقلع منها رجع إليه الإيمان)) [صححه الحاكم، ووافقه الذهبي] [8].

عباد الله:

الزنا يجمع خلال الشر كلَّها، ويتضمن الأضرار جميعَها، به تعمّ الأمراض الفتاكة في المجتمع، وعن طريقه تحل البلايا والرزايا بشتى أنواعها ومختلف صورها، يخلط الأنسابَ، ويذهب بمعاني الأسرة الفاضلة، وينزع البركات، ويضيق الأرزاق، ناهيك عما يحدثه من وحشة وعداوة بين بني الإنسان، وما يوقعه من أمراض وأدواء متنوعة، أقلقت البشر، وأخافت الدول الصغار والكبار.

واستمع ـ يا رعاك الله ـ إلى مشكاة النبوة المحمدية، وهي تتحدث عن تلك الأضرار، وتنذر من تلك المخاطر والأشرار، قال : ((لا تزال أمتي بخير ما لم يفش ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا، أوشك أن يعمهم الله بعذاب)) [رواه الإمام أحمد بإسناد حسن] [9].

وعند الحاكم وقال: "صحيح الإسناد" عن النبي قال: ((إذا ظهر الزنا والربا في قوم فقد أحلوا بأنفسهم عذابًا)) [10].

وفي حديث مرفوع عن النبي : ((ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم، ولا ظهرت الفاحشة في قوم قط إلا سلط الله عليهم الموت)) [رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح] [11].

وفي حديث ابن عمر أيضًا رضي الله عنهما، قوله : ((لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا)) [رواه ابن ماجه، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي] [12].

أيها المسلم:

تذكر أن الزنا لحظة عابرة، وشهوة عارمة، ونزوة حيوانية بحتة، وأن عاقبتها عليك وخيمة، وآثارها المستقرة سيئة، لذةٌ تذهب سريعًا، وتضمحلّ عاجلاً، فيبقى العار والشنار، وغضب الخالق الجبار.

جاء في صحيح البخاري في حديث المنام الطويل أنه قال: ((فانطلقنا فأتينا على مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، فيه لغط وأصوات، قال: فاطلعنا فيه، فإذا فيه رجال ونساء عراة، فإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك ضوضوا ـ أي صرخوا ـ فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الزناة والزواني)) [13].

فاتقوا الله عباد الله، والتزموا أوامره، وقفوا عند حدوده؛ تسعدوا وتفلحوا، وتفوزوا وتسلموا.

بارك الله لي ولكم في القرآن، ونفعنا بما فيه من الآيات والبيان، أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.



[1] أخرجه الطبراني في الكبير (6/181) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، وقال الهيثمي في المجمع (8/188): "رجال الكبير ثقات"، وأخرجه أيضًا أبو نعيم في الحلية (3/255)، وصححه الحاكم (1/48)، وكذا الألباني في السلسلة الصحيحة [1378].

[2] أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي [7]، ومسلم في الجهاد والسير [1773].

[4] أخرجه البخاري في كتاب الرقاق [6474] من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.

[5] رواه أحمد (1/191) من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وعزاه الهيثمي في المجمع (4/306) إلى الطبراني في الأوسط، وقال: "فيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح"، وقال المنذري في الترغيب (2/671): "رواة أحمد رواة الصحيح خلا ابن لهيعة، وحديثه حسن في المتابعات"، وقال الألباني في صحيح الترغيب [1932]: "حسن لغيره".

[6] إغاثة اللهفان (1/71، 77).

[7] أخرجه البخاري في كتاب المظالم [2475]، ومسلم في كتاب الإيمان [57] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[8] أخرجه أبو داود في كتاب السنة [4690]، وعلقه الترمذي في كتاب الإيمان [2625] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الحاكم (1/22)، ووافقه الذهبي، وهو في السلسلة الصحيحة [509].

[9] أخرجه أحمد (6/333)، وأبو يعلى [7091] من حديث ميمونة رضي الله عنها، وعزاه الهيثمي في المجمع (6/ 257) إلى الطبراني، وقال: "فيه محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة وثقه ابن حبان، وضعفه ابن معين، ومحمد بن إسحاق قد صرح بالسماع، فالحديث صحيح أو حسن"، وحسّنه أيضًا المنذري في الترغيب (3/ 238)، وقال الألباني في صحيح الترغيب [2400]: "حسن لغيره".

[10] أخرجه الحاكم (2/37) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه وصححه، ووافقه الذهبي، وهو من رواية سماك عن عكرمة، وفيها اضطراب، وقال الألباني في صحيح الترغيب [2401]: "حسن لغيره".

[11] أخرجه الحاكم (2/ 126)، والبيهقي (3/ 346) من حديث بريدة رضي الله عنه، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وكذا الألباني كما في السلسلة الصحيحة [107].

[12] أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن [4019]، والبيهقي في الشعب [3314]، وصححه الحاكم (4/540)، ووافقه الذهبي، وهو في السلسلة الصحيحة [106].

[13] أخرجه البخاري في كتاب الجنائز [1386] من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه.

الخطبة الثانية

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وإخوانه.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله، فتقواه خير وفوز وفلاح ونجاح.

إخوة الإسلام:

إذا ما يُسِرِّت للمسلم سبل الغواية وما أيسرها في عالم اليوم، وإذا ما كثرت طرق الفاحشة وتنوعت، فالمؤمن بحاجة ماسة إلى مراقبة خالقه، وإحياء الخوف منه جل وعلا، فليتذكر المسلم قول رسول الله فيما رواه الشيخان: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظلّه)) وذكر منهم: ((رجل طلبته ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله)) [1].

وتبصّر يا من بلغ الكبَر عِتيا، وفاته زمن الشباب وهو في المعاصي منكبًا، تذكر عظم الأمر، وسوء الخاتمة والمصير، قال : ((ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر)) [رواه مسلم] [2].

ثم اعلموا ـ عباد الله ـ أن الله أمركم بأمر عظيم، ألا وهو الصلاة والسلام على النبي الكريم، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على عبدك ورسولك نبينا محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.



[1] أخرجه البخاري في كتاب الأذان [660]، ومسلم في كتاب الزكاة [1031] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[2] أخرجه مسلم في كتاب الإيمان [107] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

 
You are here: Home Weekly Khutba Arabic التحذير من الزنا - 02.07.10