غربة الإسلام
إخوة الإيمان، إننا في أيامنا هذه نرى أن المتمسك بدينه المحافظ على أوامر الله المتبع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يبدو بين الناس شاذاً غريباً، والكثير من الناس يتعجب من حاله ومقاله، بل إن البعض منهم يلومه ويذمه ويرى أنه على غير الصراط المستقيم وأنه متنطع متشدد.
وهذا وضع يتألم له المؤمن ويحزن، لكن ... ليعلم أن هذه سنة من سنن الله جعلها ابتلاء للمؤمنين ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.
أيها الموحد، إنك بتمسكك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعك لهديه عليه الصلاة والسلام ستبتلى وتواجه بعض الصعوبات، لكنك إن صبرت كانت العاقبة خيراً عظيماً في الدنيا والآخرة.
عباد الله يقول تعالى:
فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِى ٱلأرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ
[هود:116]. إنها دعوة من الله للناس أن يكون منهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عند فساد الناس، وأصحاب هذه الصفة هم الناجون من عذاب الله في الدنيا والآخرة. ومن هم يا ترى أهل هذه الصفة! إنهم أولئك الغرباء الذين يصلحون ما أفسده الناس. ومن هؤلاء؟ إنهم الذين أشار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس)) [رواه أحمد].
وفي حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن عنده: ((طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: ناس صالحون قليل في ناس كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم)) [رواه أحمد].
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: ((بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يحيون سنني ويعلمونها الناس)).
فكم من الناس اليوم يتصف بصفات الغرباء التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه المتعددة؟! كم من الناس اليوم قد أصلح نفسه عند فساد الكثير؟ وكم من الناس اليوم يصلح ما أفسده الناس؟ وكم من الناس اليوم يحيي سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكم من الناس اليوم ينشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمها للناس؟
إخوتي الكرام: هؤلاء هم الغرباء الممدوحون المغبوطون، ولقلتهم في الناس جداً سمّوا (غرباء) فإن أكثر الناس على غير هذه الصفات. فالمسلمون في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء أيضاً، وأهل السنة في هؤلاء غرباء. والداعون إلى السنة الصابرون على أذى المخالفين هم أشد غربة في هؤلاء. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقاً فلا غربة عليهم. وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم:
وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ
[الأنعام:116].
لكن هذه الغربة لا وحشة على صاحبها بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا وإن عاداه أكثر الناس وجفاه. قال الحسن: "المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، للناس حال، وله حال، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في تعب".
ومن صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم التمسك بالسنة إذا رغب الناس عنها. وترك ما أحدثوا. وإن كان هو المعروف عندهم. وتحقيق التوحيد وإن أنكر أكثر الناس ذلك. وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله بالعبودية له وحده وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده. وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقاً وأكثر الناس لائم لهم. فغربتهم بين هذا الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة لمعظم الناس.
نعم هم غرباء وكيف لا تكون فرقة واحدة قليلة جداً غريبة بين اثنتين وسبعين فرقة. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن اليهود انقسمت إلى إحدى وسبعين فرقة والنصارى انقسمت إلى اثنتين وسبعين فرقة، وتنقسم هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
ولهذا جعل للمسلم الصادق المتمسك بالسنة في هذا الوقت أجر خمسين من الصحابة في الحديث من حديث أبي ثعلبة الخشني: ((إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله)) قلت: يا رسول الله أجر خمسين منهم؟ قال: ((أجر خمسين رجلاً منكم)) [رواه الترمذي].
فإذا أراد المؤمن الموفق من عند الله أن يسلك هذا الطريق فليستعد لقدح الجهّال فيه وأهل البدع وطعنهم عليه واستهزائهم به وتنفير الناس عنه، وتحذيرهم منه. فهو غريب في دينه لفساد أديانهم غريب في تمسكه بالسنة لتمسكهم بالبدع، غريب في اعتقاده لفساد عقائدهم. غريب في صلاته لسوء صلاتهم، غريب في طريقه لضلال وفساد طرقهم، وبالجملة فهو غريب في أمور دنياه وآخرته. لا يجد من العامة مساعداً ولا معيناً، فهو عالم بين جهال، صاحب سنة بين أهل بدع، داع إلى الله ورسوله بين دعاة إلى الأهواء والبدع، آمر بالمعروف ناه عن المنكر بين قوم المعروف لديهم منكر، والمنكر معروف.
واعلم رحمك الله أن الناس كلهم في هذه الدار غرباء، فإنها ليست بدار مقام لهم، ولا هي الدار التي خلقوا لها، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)) [متفق عليه].
معاشر المسلمين: إن غربة الدين تظهر اليوم في جهل كثير من المسلمين بأهم وأبسط أمور دينهم كالصلاة مثلاً. وتظهر في إنكار بعض الناس لسنة رسول الله
. وتظهر في انصهار الكثير من المجتمعات الإسلامية في مجتمعات غربية كافرة انصهاراً تذوب فيه المبادئ والأخلاق والقيم والعادات والتقاليد. وتظهر في انتشار المخالفات الشرعية ومجاهرة بعض المسلمين بها دون حياء من الله. وتظهر في إعجاب كثير من المسلمين بأعداء الله من الكافرين وتقليدهم لهم وتعلقهم بهم. وتظهر في تقديم أمر الدنيا على أمر الآخرة عند الكثير من المسلمين غير مبالين بما يترتب على ذلك من سخط الله وعقوبته. وغير ذلك الكثير من مظاهر الغربة.
ويكاد اليأس يدب في القلوب لولا أنه يتذكر قول الله تعالى:
وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِىّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
[الكهف:28]. ويشرق في أفق الأمل حديث رسول الله
الذي رواه المقداد بن الأسود: ((لا يبقى على الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل)) [رواه ابن حبان].


